قال الناظم رحمه الله:
|
12- الدِّيْنُ مَبْنِيٌّ عَلَى الَمصَالِحِ |
|
فِي جَلْبِهَا وَالدَّرْءِ لِلْقَبَائِحِ |
|
13- فَإِنْ تَزَاحَمْ عَدَدُ الَمصَالِحِ |
|
يُقَدَّمُ الْأَعْلَى مِنَ الَمصَالِحِ |
|
14- وَضِدُّهُ تَزَاحُمُ المَفَاسِدِ |
|
يُرْتَكَبُ الأَدْنَى مِنَ المَفَاسِدِ |
اشتملت هذه الأبيات على قاعدة من كبريات قواعد الشريعة والفقه الإسلامي وهي قاعدة المصالح والمفاسد، ويدخل تحتها جملة من القواعد المهمة.
أولها: الدِّين مبنيٌّ على جلب المصالح ودفع المفاسد.
ثانيها: إذا اجتمعت المصالح نحصِّل الأعلى والأولى وإن فاتت المصلحة الدُّنيا.
ثالثها: إذا اجتمعت المفاسد تدرء المفسدة الكبرى باحتمال المفسدة الصغرى.
الدِّين: أصله مِن الانقياد والذُّلّ، ويُطلق على العادة، والجزاء، والطاعة، والمراد: جميع ما يُتعبّد لله تعالى به، وهو الإسلام الذي لا يقبل الله غيره. وحاجة الناس إلى الدِّين ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء، بل فوق الحاجة إلى التنفُّس والطعام والشراب لأنَّ غاية ما يُقدّر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن، وأمَّا ما يُقدّر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبدان.
مبني: البناء: وضع شيء على شيء على صفة يراد بها الثبوت. والانبناء هنا معنوي عقلي، وكون الدِّين على ما ذكره في النظم: متفق عليه كما سنذكره عن غير واحد.
المصالح: جمع مصلحة، مِن صَلَح. والمصلحة: الخير والصَّواب والمنفعة، يقال: في الأمر مصلحة. وعُرِّفت بأنها: المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده بالتشريع من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والمنفعة المطلقة: هي الخالصة أو الرَّاجحة، وأما ما يفوِّت أرجح منها أو يعقب ضررًا ليس هو دونها: فإنَّها باطل في الاعتبار، والمضرَّة أحق باسم الباطل من المنفعة، وأما ما يُظن فيه منفعة وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال».
فتلخَّص لنا ثلاثة أقسام فيما يقال عنه مصلحة: مصلحة خالصة أو راجحة فهذه: معتبرة مجلوبة بالشرع. ومصلحة معارَضة بمفسدة مساوية أو أعظم، فهذه: ملغاة. ومصلحة متوهمة غير حقيقية إنما يقال لها مصلحة بحسب الذوق وشهادة المكلف باعتبار تحقيق شهوة حاضرة، فهذه: مُدّعاة لا التفات إليها البتة.
جلبها: أي الاتيان بها وتحصيلها للمكلف بالتشريعات. جلَب يجلب بالفتح والضم، جَلْبًا وجَلَبًا. فالشريعة مبنية على جلب المصالح وتكميلها وتكثيرها.
الدرء: أي الدفع. فكل التشريعات لحفظ المكلف من الأضرار وما يسوؤه.
للقبائح: يعني المفاسد الآتية الذكر.
المفاسد: جمع مفسدة وهي خلاف المصلحة، وهي عبارة عن الشرور والأضرار والسيئات التي تلحق الضروريات المذكورة آنفًا.
قوله: (فإن تزاحم ..): (إن) تَجزم الفعل والجزاء، وهما في البيت (تزاحم) و (يقدّم).
و(تزاحم) يحتمل: أنه مضارع، فعل الشرط حُذف تاؤه الأول، وأصله (تتزاحم)، فرفْع الجزاء حينئذ وهو (يقدم) جائز في الشعر، كقول القائل: (يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إنْ يصرعْ أخوك تصرعُ). ويحتمل: أن يكون (تزاحم) ماض، وتسكينه في البيت ضرورة شعرية، فرفع الجزاء (يقدم) حينئذ حسنٌ، كما قال ابن مالك: (وبعد ماض رفعك الجزا حسن * ورفعه بعد مضارع وهن).
القاعدة الكبرى التي تضمنها الأبيات: نصًّا واستنباطًا ما يلي: (الشريعة لا تأمرُ إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا تنهى إلا عما مفسدته راجحة أو خالصة، ومع تزاحم المصالح فالشريعة تأمرُ بتحصيل الأعلى والأكمل وإنْ فاتتْ الأدنى، ومع تزاحم المفاسد فالشريعة تأمرُ بدرء ودفع أكبرها وإن احتملتْ الأدنى، وإذا تزاحمت المصالح والمفاسد قدّم الأولى والأرجح من فعل المصلحة أو درء المفسدة).
فالشريعة مبنيَّة على جلب المصالح ودرء المفاسد وليس فيما أمر الله به ما هو راجح المفسدة، ولا فيما نهى الله عنه ما هو راجح المصلحة.
وما أمر الله به: فإنَّ اللهَ يأمرُ بما يحفظه ويكمِّله ويؤدي إليه، ولا يشرع ما يمنع منه أو يعرقله.
وما نهى اللهُ عنه: فإنه يَنهى عن طرقه ووسائله وما يؤدي إليه، ولا يمكن أن ينهى عن شيء ثمَّ يَشرع ما يؤدِّي إليه ويُشجّع عليه، قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، التناقض شأن القوانين الوضعية.
فإذا اجتمعت المصالح على حدة، والمفاسد على حدة: فمبنى الشريعة على تحصيل المصالح كلها، و درء المفاسد كلها إن أمكن، وإلا: حُصِّل أعلى المصلحتين ولو فاتت أدناهما، وارتُكب أدنى المفسدتين.
فإن اجتمعت المصالح والمفاسد جميعًا: رُجّح بينهما بميزان العدل والقسط.
وقد اتفق العلماء على هذا.
قال ابن النجار الفتوحي: «إذا دارَ الأمرُ بين درء إحدى مفسدتين وكانت إحداهما أكثر فسادًا من الأخرى فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا واضح يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولوا العلم».
وقال ابن القيم رحمه الله: «وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت قُدم أهمُّها وأجلّها وإن فاتت أدناهما، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عُطّل أعظمها فسادًا باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها، وكلما كان تضلُّعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل».
قال الشوكاني رحمه الله: «فإنَّ كل جزئي من جزئيات الشريعة التي قام الدليل على طلبها والتعبُّد بها للكل أو البعض مطلقًا أو مقيدًا لا بد أن يشتمل على جلب مصلحة أو مصالح عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، وكل جزئي من جزئيات الشريعة الواردة بالنهي عن أمر أو أمور لا بد أن يكون المنهي عنه مشتملًا على مفسدة أو مفاسد تندفع بالنهي عنها».
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] قال ابن عبدالسلام: هذه أجمع آية في القرآن للحثّ على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها. وقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} الأعراف: 56. قال المفسرون: أي بعد إصلاحها بالدِّين. فالله أصلحَ الأرض بالدين؛ فأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبيّن أنَّ مخالفة هذا الدين فساد للدُّنيا والآخرة وخراب للمعايش؛ فكل فساد فإنما سببه المخالفة للدِّين والعصيان لرب العالمين، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.
وقال: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} الأعراف: 170. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ».
ومن أدلة تقديم أهم المصلحتين وإن فاتت أدناهما: قوله ﷺ: «أمك ثم أمك ثم أمك ثمّ أبوك»، وقوله ﷺ: «يدُ المعطِي العُليا وابدأ بمَن تعول: أمَّك وأباك، وأختَك وأخَاك، ثمَّ أدناك أدناك» في السنن عن طارق المحاربي وهو في الجامع الصحيح. وقوله: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة»، وقوله ﷺ: «إن لربك عليك حقًّا ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا».
ومن أدلة احتمال أدنى المفسدتين لدرء الأعظم: أحاديث صلح الحديبية، وحديث نهيهم عن زجر الأعرابي لما بال في المسجد. وحديث جابر في الصحيحين: «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»، وتقديم سفر المهاجرة بدون محرم على البقاء بين ظهراني الكفار. ومنها قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217].
تقدير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة لا بالذوق ومحض آراء الرجال. كما قرره ابن تيمية. فليس كل ما حصل به غرض بعض المكلفين نسمِّيه مصلحة؛ فإنها قد تكون مصلحة عاجلة والحقيقة أنها شهوة وليست مصلحة. وقال الشاطبي: «المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع لا من حيث إدراك المكلف». قلت: وذلك لأنّ الناس يختلفون في إدراكهم، فقد يظن أنّ هنا مصلحة أو قد يعتقد أنها مصلحة ولا توجد مصلحة أصلا، أو هي غير معتبرة لمعارضة مفسدة راجحة عليها.
ومن ذلك: لو قيل الدراسة المختلطة بين الجنسين فيها مصلحة التعليم مع قلة التكاليف. قيل: إذا سلّمنا المصلحة فإنها معارضة بمفاسد كثيرة تربو على المصلحة المذكورة بحيث تذهبها وتعود عليها بالإبطال، وشرها أكثر من خيرها ومفاسدها أكثر من المصالح المذكورة فيها مع ما في ذلك من المخالفات الشرعية.
جانب معرفيّ عِلْمِي، وجانب مهاريّ عَملي.
فالجانب المعرفيّ العلميّ: أنّه لابدّ علينا وعلى كلّ المسلمين والمسلمات أن يعتقدوا أنّ الله جلّ وعلا ما شرع شيئًا سواء تعلّق بالقلب أو باللّسان أو بسائر الجوارح، حضرًا سفرًا، بالذّكور أو بالإناث، سواء كان في العبادات أو في المعاملات إلّا لمصلحةٍ عظيمةٍ، ولحكمةٍ جليلةٍ. وهذه التّشريعات بها صلاح العباد في حياتهم وسعادتهم وسلامتهم في الدّنيا قبل الآخرة، وأنّه لا يمكن أن يصلح العباد إلّا بهذه الشّريعة، وأنّ هذه التّشريعات غذاء قلوبهم، وسلامة صدورهم، وسبب عيشتهم الهنيّة وحياتهم الرّضيّة، فلا صلاح لهم إلا في هذا الإسلام وفي هذا التّشريع. ونعتقد أنّه ما من خيرٍ لنا إلّا وقد دلّنا عليه رسول الله ﷺ وما من شرٍّ إلّا وحذّرنا منه، وأنّه لا يوجد تشريع يعود على المكلّفين بالضّرر. ومن زعم أنّ التّشريع الفلانيّ لا يصلح للناس فقد أعظم على الله الفرية وردّ حكمه وضاده في تشريعه. فالتّشريعات كلّها مصالح مجلوبة، ومفاسد مدفوعة، وهذه كلّيّة عظيمة ينبغي أن يدندن حولها طلّاب العلم والدّعاة إلى الله في دروسهم، في محاضراتهم، في خطبهم. وكلّ مسألةٍ تعرّضت لها: أنت تخطب في برّ الوالدين، تخطب في الصّلاة، تخطب في فضل الاستغفار؛ تعرّض لمحاسن الإسلام وفضل الإسلام، وأنّه كلّه خير، وكلّه منفعة، وكلّه مصالح، وأنّ كلّ ما نهى عنه الشّرع فإنّه لسلامتنا، ولمصلحتنا ونفع ذلك يعود إلينا؛ لشرٍّ يندفع عنّا. فما أمرَ اللهُ بشيءٍ إلا وفيه من المصالح ما لا يُحيط به الوصف، وما نهى عن شيء إلا وفيه من المفاسد ما لا تحيط به العبارة.
الجانب المهاريّ العملي: أنه لابد أن نزن المصلحة والمفسدة بميزان الشرع، وعند التزاحم أو التعارض يرجح بميزان الشرع فيقدم أعلى المصلحتين في نظر الشرع وتقديره لا بحسب ذوق المكلف ومحض رأيه، ولهذا مسائل التزاحم والتعارض ليست لكل أحد بل البت فيها خاص بالراسخين في العلم المتضلعين من علوم الكتاب والسنة العالمين بأسرار الشريعة ومقاصدها وحِكمها.
فالمصلحة: هي الخالصة أو الرّاجحة، أمّا ما يفوّت مصلحةً أعظم أو يترتب عليه مضرّة مساوية أو أعظم فهو بالمضرّة أولى من باسم المصلحة؛ وهذه مصلحة ليست حقيقية. كالذي يبيح الربا لمصلحة نعش اقتصاد البلد والمسلمين.
وقد تكون المصلحة مدّعاة عند التأمل لا مصلحة أصلا لا في دين ولا دنيا كالمصالح التي تُذكر لإسقاط الحدود ومنع كثرة النسل ومنع تعدد الزوجات ونحو ذلك.
ومنها: المصلحة المدَّعاة عند أهل الذكر الجماعي الملحّن بالمسبحات الكبيرة من حصول الخشوع فإن هذه بدعة وكل بدعة ضلالة فإن ما يحصل من الأضرار من سلب السنن والخشوع الحقيقي عند التلاوة وتذكر الموت، ولذة المناجاة في الخلوة أضعاف ما يشعرون به في فعل هذه البدعة، مع ما يقترفونه من الإثم والمخالفة للرسول ﷺ.
* أما القاعدة الأم وهي مراعاة المصالح والمفاسد فكل التشريعات مندرجة تحتها.
* وأما تقديم المصلحة الأعظم عند التزاحم فمن أمثلته:
- تقديم الدين الحال على الصدقة النافلة.
- تقديم فرض الوقت التي أقيمت على الراتبة والتحية.
- تقديم ما يفوت وقته على ما يفوت كتقديم الدعاء بين الأذانين على التلاوة.
- ومنه عدم إعادة النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم مع أنه مصلحة. لمصلحة أعلى وهي التأليف.
* وأمّا درء المفسدة الأعظم باحتمال الأدنى فمن مسائله:
- الطلاق والخلع عند سببه من إعسار ونشوز ومضارة.
- سفر المهاجرة بدون محرم . السمع والطاعة للإمام ولو من أهل الفسوق.
- أكل المضطر من الميتة ومن مال الغير بدون إذن. وإجابة المكره إلى كلمة الكفر.
- عدم إجابة المكره على قتل النفس بالإجماع واحتمال القتل وما دونه.
- الإنكار باللسان عند عدم القدرة على الإنكار باليد، وعدم الاكتفاء بالإنكار بالقلب.
- الصلاة خلف المبتدع إذا لم يوجد السني الصالح.
- ومنه خرق الخضر السفينة وإفسادها قدمه على أخذ الملك السفينة غصبا.